عمر فروخ
689
تاريخ الأدب العربي
والآن تذكّرت مساق أبي غبشان « 1 » - وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ « 2 » - ذلك الذي به ظننت ومن قضيّته عظّمت . وليس الأمر كما توهّمت . وأبو غبشان إنّما باع خدمته في البيت . وهبها وصمة سفيهنا العربيّ ، فأين تقع ( بالإضافة إليها ) قضيّة إمامكم يهوذا « 3 » الحواريّ ، إذ باع نبيّه روح القدس بالأفلس . فكذّب اللّه ظنّه وأنجى نبيّه « 4 » . فدونك : ضع قضيّة سفيهنا في كفّة « 5 » . وفي أخرى قضيّة إمامكم ( ثمّ ) رجّح بينهما . وكان أغناك ، يا كشاجم « 6 » ، عن كشف عورات آلك الأعاجم ؟ لكنّ ضعف نظرك حداك إلى هذرك « 7 » ، وسوء أدبك وافى بك على عطبك . نسأل اللّه سترا يمتدّ ووجها لا يسودّ . * ومن الذين ردّوا أيضا على ابن غرسيه أبو الطيّب عبد المنعم القرويّ ( القيروانيّ ) المتوفّى سنة 493 ( 1099 - 1100 م ) دخل إلى الأندلس وحدّث في الجانب الشرقي منها . وردّ أبي الطيّب القرويّ بارع جدّا . ويبدو أنّ ثقافته العامّة كانت واسعة . وفيما يلي مختارات من رسالته الطويلة في هذا الموضوع ( الذخيرة 3 : 722 - 746 ) : . . . أيّها الفاخر بزعمه بل الفاجر برغمه ، ما هذه البسالة في الفسالة « 8 » ؟ ما هذه الجسارة على الخسارة ؟ لقد تجرّأت ومن الملّة تبرأت « 9 » . . فأخبرني عنك : أما كانت
--> ( 1 ) أبو غبشان كان له نصيب في خدمة البيت ( الكعبة ) فباعه في أثناء سكره . ( 2 ) القرآن الكريم ( 18 : 63 ، الكهف ) . ( 3 ) يهوذا الإسخريوطي كان من أتباع المسيح الاثني عشر الأوائل فخان المسيح بأن دلّ الجنود الرومان عليه حتّى قبضوا على المسيح . ( 4 ) أراد اليهود لعيسى أن يقتل ويصلب ، ولكن اللّه نجاه ورفعه إليه . ( 5 ) للميزان كفّتان . ( 6 ) كشاجم : اسم علم ( فارسي ) . يا كشاجم ( يا من يدعي نسبة إلى غير العرب ) . ( 7 ) حدا : ساق ، دفع . الهذر : سقط الكلام ( الكلام الغثّ الساقط : لا معنى له ) . ( 8 ) البسالة : الشجاعة . الفسالة : سوء الرأي ( الفسولة بالضمّ : قلّة المروءة ) . ( 9 ) الملّة : الدين ( الإسلام ) . تبرّأت ( تخلّيت عنه ، وهذا ممّا يدلّ على أن الذين ردّوا على ابن غرسيه اعتقدوا أن رسالته الشعوبية قد أخرجته من الإسلام إلى الكفر ) .